السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
324
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فالحياة الأخروية هي الحياة بحسب الحقيقة لعدم إمكان طرو الموت عليها بخلاف الحياة الدنيا ، لكن اللّه سبحانه مع ذلك أفاد في آيات أخر كثيرة انه تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأخروية والمحيي للإنسان في الآخرة ، وبيده تعالى أزمة الأمور ، فأفاد ذلك ان الحياة الأخروية أيضا مملوكة لا مالكة ومسخرة لا مطلقة أعني انها إنما ملكت خاصتها المذكورة باللّه لا بنفسها . ومن هنا يظهر ان الحياة الحقيقة يجب أن تكون بحيث يستحيل طرو الموت عليها لذاتها ولا يتصور ذلك إلا بكون الحياة عين ذات الحي غير عارضة لها ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ، قال تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ( الفرقان / 58 ) ، وعلى هذا فالحياة الحقيقية هي الحياة الواجبة ، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدر بالذات . ومن هنا يعلم : ان القصر في قوله تعالى : هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ قصر حقيقي غير إضافي ، وان حقيقة الحياة التي لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء وزوال هي حياته تعالى . فالأوفق فيما نحن فيه من قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ؛ الآية ؛ وكذا في قوله تعالى : ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( آل عمران / 1 ) ان يكون لفظ الحي خبرا بعد خبر فيفيد الحصر لان التقدير ، اللّه الحي فالآية تفيد ان الحياة للّه محضا إلا ما أفاضه لغيره . واما اسم القيوم فهو على ما قيل : فيعول كالقيام فيعال من القيام وصف يدل على المبالغة والقيام هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة عليه والقدرة عليه ، كل ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب للملازمة العادية بين الانتصاب وبين كل منها . وقد أثبت اللّه تعالى أصل القيام بأمور خلقه لنفسه في كلامه حيث قال تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ( الرعد / 33 ) ، وقال تعالى وهو أشمل من الآية السابقة شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( آل عمران / 18 ) ، فأفاد انه قائم على الموجودات بالعدل فلا يعطي ولا يمنع شيئا في الوجود